سيد محمد طنطاوي
351
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : وما كان اللَّه تعالى ليعطى أحدا منكم - معشر المؤمنين - علم الغيوب الذي به تعرفون المؤمن من المنافق ، إذ علم ذلك له وحده ، ولكنه - سبحانه - يصطفى من رسله من يريد اصطفاءه فيطلعه على بعض الغيوب ، وذلك كما حدث لنبيكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقد أطلعه - سبحانه - على ما دبره له اليهود حين هموا باغتياله ، وأطلعه على حال تلك المرأة التي أرسلها حاطب بن أبي بلتعة برسالة إلى قريش لتخبرهم باستعداد الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لحربهم . وأطلعه على بعض أحوال المنافقين . قال تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ « 1 » وفي قوله تعالى * ( ولكِنَّ اللَّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِه مَنْ يَشاءُ ) * إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية ، لا يتأتى إلا ممن رشحه اللَّه - تعالى - لمنصب جليل ، تقاصرت عنه همم الأمم ، واصطفاه على الناس لإرشادهم . ثم أمر اللَّه تعالى عباده أن يثبتوا على الإيمان ، وبشرهم بالأجر العظيم إذ هم استمروا على ذلك فقال : * ( فَآمِنُوا بِاللَّه ورُسُلِه ، وإِنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) * . أي : إذا علمتم أيها المؤمنون أن اللَّه لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يجب عليكم أن تؤمنوا باللَّه وبرسله حق الإيمان ، وإن تؤمنوا باللَّه تعالى وبرسله حق الإيمان ، وتتقوا المخالفة في الأمر والنهى ، فلكم في مقابلة ذلك من اللَّه تعالى ما لا يقادر قدره من الثواب العظيم ، والأجر الجزيل . ثم بين سبحانه بعد ذلك سوء مصير الذين يبخلون بنعم اللَّه ، فلا يؤدون حقها . ولا يقومون بشكرها فقال تعالى : * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه هُوَ خَيْراً لَهُمْ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ) * . وقوله * ( يَبْخَلُونَ ) * من البخل وهو ضد الجود والسخاء ، ومعناه : أن يقبض الإنسان يده عن إعطاء الشيء لغيره ، وأن يحرص حرصا شديدا على ما يملكه من مال أو علم أو غير ذلك . ويرى جمهور المفسرين أن المراد بالبخل هنا البخل بالمال ، لأنه هو الذي يتفق مع السياق . ويرى بعضهم أن المراد بالبخل هنا البخل بالعلم وكتمانه ، وذلك لأن اليهود كتموا صفات النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم التي جاءت بها التوراة . والذي نراه أن ما عليه الجمهور هو الأرجح ، لأنه هو المتبادر من معنى الآية ، وهو المتفق من سياق الكلام .
--> ( 1 ) سورة الجن الآية 26 ، 27 .